Mohammad El Kasmi
فاجعتنى أخبار الصباح بخبر وفاة الفنان التشكيلى المغربى الرائد "محمد القاسمى" .. للوهلة الأولى لم أستوعب الخبر وعدت أقرأ عدة مرات لعلنى غير مدقق .. وعندما تأكد لى الرحيل من سياق الخبر تذكرت آخر لقاءاتنا فى العام 2001 لقد كان لقاءً حميماً بمدينة مراكش الجميلة خلال فاعليات مهرجان مراكش الوطنى للسينما .. كان فى قمة زهوه وإبتسامته الجميلة تشع فرحاً وسعادة .. الفنان محمد القاسمى من مواليد مكناس بالمملكة المغربية العام 1942 ، عرفته العواصم مشاركاً فعالاً ، وصاحب جوائز منها جائزة بينالى داكار العام 1993 – جائزة شرفية بينالى القاهرة الدولى الرابع ، كما حصل على الجائزة الأولى فى بينالى القاهرة الدولى الخامس ، وله مقتنيات فى بعض المتاحف والمجموعات الخاصة والمؤسسات ببعض دول العالم ومنها مصر ، عرفته إنساناً عميقاً بسيطاً مثقفاً مفكراً قبل أن يكون ممارساً للفن والشعر .. سمعت صوته الهادىء الذى ينطلق بلهجة مغربية مكتومة تكاد لا أسمعها ولكنها متدفقة المشاعر ونافذة التأثير تعانق من أمامها تتوالى بتلقائية المبدع والمفكر والفيلسوف .. دقات القلب تسارعت .. والعين راحت فى بحر من الدموع .. والأذن سافرت مع الزمن الجميل .. والذاكرة تزلزلت وتعالت صرخاتها من وهل الفاجعة .. لقد توقفت حركة الزمن القاسمى ولكن لم تتوقف روحه فى أعماله الفنية فستظل تستقبل المشاهدين لها عبر الأزمان فى الحاضر والمستقبل وستظل منهلاً للأبحاث والدراسات ، يقول عنه : " فرنسوا دوفاليير" .. القاسمى شاعر ومصور ومبدع للحدث بالمعنى الفنى للكلمة. إنه لبدوى جوال فى أعماق روحه، ومسافر لا يملّ الترحال، أعماله تصور مالا يُصاغ. لذلك فهى تحطم الحدود بين الأساليب والتوجهات. لديه نزعة دائمة للعمل فى مساحات كبيرة من أجل إنعتاق الجسد. تتميز لوحاته بتكديس الصباغات الطبيعية والمساحيق الكثيفة – سوداء وملونة – التى تتداخل أحياناً مع مجتزءات من قصائد يعتبرها مادة أولية تستكمل قوة التعبير. لقد ولّد القاسمى تياراً فى التصوير يعيد طرح المواقع بشكل مغاير ليثير بذلك إمكانيات جديدة للتساؤل حول فعل الإبداع. "محمد القاسمى" الفنان الذى جاء من الريف المغربى ويحمل فى عقله ووجدانه وتحت جلده رائحة الأرض وما تبقى منها لدرجة أنه كان يتنفس آخر ما يتبقى منها .. وعمقه وبحثه الدؤوب لفك أسرار هذا الكائن الأبدى، وسطح اللوحة عند "القاسمى" هى أرض خصبة امتزجت فيها المشاعر والأنفاس والأفكار مع اللون والقوام والحركة محولاً ذلك إلى عجينة قوامها حضارة المغرب بأبعادها الجغرافية والتاريخية والجيولوجية .. إنصهار "القاسمى" فى الذات الإنسانية التى تدفقت بأحاسيس وملامح فنه المتميز بشخصيته العربية دون الانجذاب إلى المخزون البصرى الحى الأوربى لذا كان إهتمام الوسط الفنى والثقافى الباريسى بأعمال "القاسمى" وبه كفنان مفكر وشاعر مرهف المشاعر ودقيق القياسات فى رؤيته وأفكاره، يقول عنه الكاتب "عبد الرازق عكاشه" فى كتابه "من كل قطر عربى فنان تشكيلى" .. الفنون والشعر والأدب أشياء كانت مرادفة لحياة الإنسان وكل هذه الحبكة التاريخية يعرفها القاسمى بعمقه الثقافى لذلك يعتبره المغاربة مناضلاً لا يقل بطولة عن محررى المغرب لأنه حرَر الفنون التشكيلية من قيد أسرها وربطها المستمر بالمغرب وإدخال المحترف المغربى بشكل خاص والعربى بشكل عام إلى حيز المنافسة والتواجد فى باريس ووضع علاقات جديدة فى بحث اللوحة حين يربط القاسمى عنصر الزمن والحلم بالخروج إلى الفضاء مع المكان والعنصر البشرى فمن حالة التأمل الأولى لعناصر تبحث عن حالة عشق بين " آدم وحواء ". ننتقل إلى حالة تأمل ثانية . واستعداد لقراءة اللوحة من جديد وهنا سوف نجد عنصر الزمن والقلق والتوتر صراع " المستقبل والماضى" والأرض تخرج من كينونتها والسماء تمثل حالة إستقبال غير مستقرة وتكتمل السيمفونية بحالة الهدوء اللونى الذى يلخص القصة حتى لا تنفرط حبات العقد وتتحول اللوحة حالة مسرحية إنما يريد أن تظل حالة اللوحة تشكيلية ، الرسم واللون وسيلة التعبير فيها من خلال إعادة كتابة الواقع وخلق مساحة للإنسانى يحاور الكونى" . يقول "القاسمى " : (إننى أتكلم الفن تماماً كما يمكن أن يتكلم الإنسان لغته الأم كنبع ، وكمرتكز لكننى أتبنى لغات أخرى استخدمها كوسيلة للحب . أنا الذى يتبع المتعدد ثقافياً ، أنا أفريقيا ، والشرق ، والغرب وتلك التقاطعات التى يعيشها الإنسان كخطوط مرسومة ، كعلامات ، كمواد أولية للمعرفة . إننى ذلك المسافر المضمر الذى يتحرك فى المدارات ليرسم مسار العماء الأول ومعنى الكرامة ) . رحل المسافر فى عمق التاريخ والأرض .. رحل المسافر المكتشف عبر رمال الصحراء أنفاس ذاكرة الحضارة .. رحل المسافر بين علوم وتضاريس خرائطه التشكيلية .. رحل المسافر بعد أن أزاح كل شىء يحجب الرؤى .عودة


0 Comments:
Enregistrer un commentaire
<< Home