
هوية الفن بين الذات والعالمية
مائدة مستديرة بمتحف الفن الحديث في إيران, تجمع
* طلال معلا ـ مدير متحف الفن الحديث بالشارقة
* د زيبابي شنا سانه ـ رئيس تحرير مجلة فنون الإيرانية
* سامي بن عامرـ رئيس إتحاد الفنانين بتونس
* نزار شقروان ـ المعهد العالي للفنون الجميلة في صفاقس
* عبد الرزاق عكاشة ـ فنان, وناقد مصري مقيم في باريس
بدأ الحديث بسؤال عن هوية, وشكل, ومفهوم الفن العالمي بالنسبة للسادة ضيوف إيران, السؤال من د زيبابي شنا سانه رئيس تحرير مجلة فنون, ومدير بمتحف الفن الإيراني الحديث.
* سامي بن عامرـ رئيس إتحاد فنانين تونس, وعضو مجلس إدارة الإتحاد العالمي>أياب< باليونسكو. ماذا تعني الترجمة الحرفية للفن العالمي ماذا تعني بالسؤال, هل الترجمة الحرفية للكلمة, أم لهوية اللوحة الحديثة, فإذا كنت تعني ما وصل إليه الفن اليوم, فنعم, لقد تعددت الإتجاهات, والأسس, وهذا ملاحظ جداً عما كنا نعدها من قبل , والحديث عن الفن بصفة مطلقة, وعامة شيئ صعب في ظل هذه التعددية, خاصة مع الإنقسام الجغرافي في العالم, فربما ما يمارس من فنون في أماكن جغرافية, لا يمارس كفنون في أماكن أخرى. أما لفظة >عالمي<, فنحن نسمعها في البينالات, والمهرجانات العالمية, والدولية التي يفترض أنها تقدم الفنون المعاصرة, هذه الفنون التي تعلن أحياناً من الذاتية إلى النظرة التي ترتكز على تأكيد ذات المبدع بشكل خاص, وبعيداً عن الهوية بشكل عام, وتكون ذاتية المبدع أساسية في تلك المعارض كي تجعل الفنان في تماسّ مع مفهوم المعاصرة . ولنا أن نلاحظ أن فن الحداثة, وما بعد الحداثة, أي المعاصر, فتح أقواساً أمام عدة نقاط, وسلك عدة طرق, ولكن, في النهاية, لابد أن نعترف أيضاً أنه دخل في قطيعة مع المتلقي في بعض الأحيان, لأن هناك طريقة كبرى من الجمهور مازالت تفهم الفن بشكل تقليدي, وهناك نجد جملة المشاكل المطروحة اليوم على النقاد كبيرة جداً. *د نزار شقروان ـ أستاذ فلسفة الفن ـ المعهد العالي للفنون ـ صفاقص, وشاعر, وله مكانة عربية مميزة. لا أقول الفن العالمي لكن أقول الفن في العالم ولابد من التمييز بين المصطلحين حتى نكون واقعيين, ولا نخلط الأوراق, فالتجربة الجمالية بشكلها العام تعيش في مأزق حقيقي في العالم, خاصة في ظل الظرف التاريخي, والإقتصادي الكبير, حتى السياسي, وما يلحظ هنا, أن الفن عنصرا ًأساسياً في منظومة>التسليع الغربي<, أي تحول الفن إلى سلعة. لذا لا يمكن لنا أن نعزل الفن كتجلي ثقافي عن أزمة الثقافة بشكل خاص, والأزمات السياسية, وغيرها بشكل عام. لذا, أظن أن الفن اليوم أصبح خاضعاً للتنميط الذي يهدد الإنسان في قيمه لغرض قيمة واحدة بإسم العولمة, هذه القيمة التي نشأت في فترة تاريخية واحدة, وتريد أن تفرض نفسها على العالم, وهنا ضرب مباشر موجه لكل ماهو فن قطري, أو محليّ.. وحول الفن في تونس بشكل خاص: د سامي بن عامر : الفن في تونس إنطلق مع القرن التاسع عشر, وبطبيعة الحال, نشأ معتمداً على الفنان المستعمر, وهنا يجب أن نركز أن هذا ما ينطبق على لوحة الحامل, لأن هناك أيضاَ كانت الفنون الإسلامية أي ما تسمى بالحرفية. هذه الفنون بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر, وتحديداً مع الصالون التونسي الأول للفنون, وتم إفتتاحه عام 1894 , لكن الإشارة كانت مع حضور الفنان المستعمر الذي ركن إلى نظرة أكاديمية إستشراقية, ونظرة كانت تبحث عن الأشكال الغرائزية, هذه النظرة ركزت على الجانب الجمالي, وبعيداً عن البحث, والتجديد. أما تجربة الفنان التونسي, فتأثرت بهذه الإنطلاقة, مما جعل البداية تنقسم إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى كانت تحت إسم مدرسة تونس التي بحثت عن المؤامة الخصوصية, والحداثة التونسية, وهنا رسم الفنانين العادات, والفلكلور, وركزت على التقاليد من خلال تقنيات أكاديمية معتمدة على تقنيات الفنان المستعمر, هذه المرحلة برز منها زبير التركي, عمار فرحات, يحيى التركي, وإلى آخره, وتناولت مواضيع شتى كانت تعتمد على المظهرية بعيداً عن البحث, وهي تجربة ركنت إلى ماضي أكاديمي منفصلة عن التغير الحداثي في العالم في هذه الفترة, الجيل الثاني في تونس كان في نهاية الخمسينات, وبداية الستينات, حيث أقدم مجموعة من الفنانين أمثال نجيب بن خواجه, نجا مهداوي, على إعادة الإنطلاق من جديد, مرتكزين على التأكيد على الهوية التي ليست بالأساس مرتبطة بإعادة التقاليد, والتراث, ولكن إعتماد على هوية عربية إسلامية, ومعالجة ذلك بطرح تجديدي, حديث, وهذا بالطبع فتح الأفق إلى نظرة على تجارب العالم الحديثة أيضاً, وهنا طرح الفنان التونسي تناول مثلاً المعمار العربي الإسلامي< في الرسم, الخط العربي, وإلى آخره, الجيل الثالث كان في السبعينات, بالطبع إرتكز على تجربة الجيل السابق كأول حاله أن يركز جيل على أساسيات جيل تونسي سابق, حيث في إعتقادي الخاص, وهذا الجيل كان معظمهم من جيل الدارسين في الخارج, لذلك تعددت مصادر تقنياتهم, وأدوات التناول, وهناك تفتح خاص لذلك أصبح مفهوم الأصالة, والخصوصية متغيراً, ومعتمداً على مدى تترك الفنان إلى معالجة الإشكاليات الجمالية, والتشكيلية الجديدة, والمختلفة, حيث لا تربط هذه الإشكاليات الجمالية بحيز المكان. أي تغير المكان ذاته في العمل, وتعددت هنا الإتجاهات, وإختلفت, وفتح أفاق جديدة, مما مهد إلى خلق حداثة, وإتجاهات عديدة في تونس يمكن أن نطلق عليها إسم >فسيفساء< في الفن التونسي, لأنه أصبح هناك إختلافات كبرى, وهنا حركة جديدة في تونس الأن أيضاَ توازي الحداثة المعاصرة, وظهرت حركات مثل>التنصيبات< الأعمال المركبة, وغيرها, وربط العلاقة بين الفن والتكنولوجيا>الميديا آرت<, وهذا حرك الفن في تونس, وبالطبع هذه الحركة إرتبطت بالزمن, والمنظور السياسي العالمي, والإقتصادي, والإرتباط بالهوية, والمتغيرات العربية, والإسلامية التي وقعت في العالم العربي, والإسلامي, والعالم ككل. الفنان التونسي الأول لم يكن على درجة عالية من الثقافة نزار شقروان : ما قدمه سامي بن عامر هي قراءة تاريخية, لكن هناك إشكاليات أخرى, وهي بداية الفن التونسي مثل الفنون في العالم العربي التي إرتبطت في أساسياتها بالغرب كمحتلّ, وهنا الجيل الأول في تونس من الفنانين لم يكن هو الجيل المثقف بالمعنى التام للكلمة, حيث أنه تمكن من المعرفة اللغوية, والتقنية, والدراسية في الخارج وهذا جيل تربى على أيدي الفرنسيون والإيطاليون وغيرهم, لذا أنبهروا بالغرب, والطبيعة, ولم يشرع الفنان التونسي أن أسس لنفسه هوية في البداية, لكنه لبس ملابس, أو جلباب الغرب... وهذا المتفرنج قلد الفنان الغربي, وكانت قاعات العرض تشجع عن عمد من يقلد الغرب, وهنا أنساق الفن التونسي إلى الفولكلور, والحارة, والأزقة, ومشاهد سيدي بو سعيد, والمرأة التونسية, وورش العمال أصبحت هي مصدر الإلهام في اللوحة عند الفنانين. قضية الحوار مع الآخر ـ الآفنجارد هنا تدخل عبد الرازق عكاشة ـ ناقد, وفنان تشسكيلي مصري مقيم في باريس : إذا كنا نفكر في نشر الفن, إذاً لابد من الإعتماد على تجارب الآخر >الأفنجارد<, ونأخذ مثل كيف تمرد أيجون شيلي, كليمت كوكوشكار, وماصنعوه هم بأنفسهم من أجل فك الحصار المفروض على فناني الإمبراطورية النمساوية في هذا الوقت, فحين أن أساتذة الأكاديمية في النمسا في هذا العصر كانوا يطالبون بالعزلة, والحصار, ورفض الحديث مع الآخر في أوروبا نفس الأصوات, أو ثمة تشابه مع بعض ما نسمعه الآن في العالم الإسلامي, والعربي, وهنا لابد أن ننظر إلى أن قوى البناء, أو قوى الهدم, تعمل جماعياً, أما نحن فدائماً نعمل كأفراد. بل نريد عكس هذه الآراء الفردية على المجتمع, ونقدم بالتالي نظرةً فردية حول المجتمعات العربية, ونحن على يقين أننا نملك الصواب كأفراد وحدنا, ولا يمكن للآخر المشاركة في تصحيح ذلك. وهناك أزمة أخرى حول فكرة إقتحام الفنان العربي إلى العالمية, فالغرب رسم لنا حدود, وأصبحنا لا نتجاوزها, خذ مثلاً المعارض العربية المسافرة, والتي تخترق حدود جغرافيا الوطن العربي, إلى أين تتجه ؟ إلى المركز الثقافي المصري, أو السوري, أو الجزائري, وعلى أقصى تقدير إلى معهد العالم العربي. وهذه الأماكن أصلاً هي أماكن معزولة داخل ثقافة كبرى, فهي أماكن ثقافة عربية لا يتعامل معها الغرب إلا حين يحتاج إلى شيئ من المسؤولين عنها لكنها تعاني العزلة والوحدة والفردية داخل حيز يبحث عن عمل جماعي وهنا يجب أن نخرج معارضنا العربية إلى قاعات عرض أوروبية, ونفتح الحوار مع نقاد الغرب الجادين, والمميزين, ننشر الكتب, والمطبوعات التي تتحدث بلغة إنكليزية, وفرنسية في المكتبات الغربية حتى نعرف بالفنانين عندنا. وليس صحيحاً ما يردده صلاح عناني كل يوم من أنه إكتشف الغرب, وأننا أفضل منهم, وأحسن من أبوهم, هذا الكلام يؤكد العزلة, ويضعف الفن, لأننا في النهاية نتحرك في إطار إنساني عالمي موحد, إطار إنساني بعيداً عن العولمة التي تفرض إطار أكثر قسوة من كل شيئ. ونحن الآن في العالم العربي لدينا تظاهرات كبرى, بينالي الشارقة, إيران, القاهرة,.. يجب أن نسعى إلى الحوار مع الغرب, لأن الغرب يريد أن يعرفنا, ويعرف فنوننا, لأن نظرة التعالي والمستعمر لم يكن لها مكان في فنون الحداثة, فمن يقول أن فنان كبير من الغرب لا يريد الحضور إلى أي دولة عربية, ويقيم, ويعمل ورش عمل مع فناني المحترفات الأخرى, لا أظن أن هناك فنان حقيقي يسعى إلى هذه العزلة, والقطيعة مع الآخر, ونأخذ مثالاً أن كيزفان دونجن مؤسس من مؤسسي الوحشية زار مصر, وقال : لقد إكتشفت وحشيتي في القاهرة على وجوه فلاحات مصر حين دعاني صديقي محمود مختار, والغريب بأننا لا نترجم, ولا ننشر, ولا نحن نبحث عن معرفة كيف يشاهدنا الآخر في أغلب الأحوال, كاندنسكي, بول كلي, عاشوا في تونس , ماجورلا عاش في مراكش, لابد أن نرفض العزلة, ونقومها. *الفنان التشكيلي, والباحث, والناقد طلال معلا ـ مدير متحف الفن الحديث في الشارقة : هل الإنسان في العالم في حاجة للفن الأخوة طرحوا عدة أراء حول الفن في العالم, وعزلة الفن, ولكن السؤال الأهم من وجهة نظري: هل الإنسان مازال في حاجة إلى فن فعلاً؟ هذا سؤال مطروح على مستوى معرفي, ونظري ضروري جداً فأمام ما يمر به الإنسان من أزمات, وخيارات سياسية, وإقتصادية, هل ما زال يبحث الإنسان عن فن وسط كل هذا التراكم؟ طبعاً الإجابة مبهمة جداً, فمع تغيرات القروان, وتغير, أو إنتقال الإنسان من قرن إلى قرن يمر بعدة إختناقات, ومتغيرات صعبة جدا,ً وهنا يتفق الجميع مع الإنتقال التاريخي هذا لابد من تجديد لغة الخطاب, والحوار, أو تجديدات تحدث رد فعل على الإنسان بشكل عام, وهنا لابد أن نؤكد على أن ثمة الفن هو التغيير >فإذا لم يتغير الفن, والإبداع, فهذا إعلان واضح للموت<, وهناك ملاحظة أخرى, أو بديهية أن أحد خصائص الفن هي حرية هذا الفن, والحرية المطلقة في التعبير في ذاته, وحوله, وإذا لم يملك حرية التعبير فهو ليس حقيقي, وأقول هذا لأؤكد على أنني دائماً أسمع الفن العالمي, وعالمية الفن, فللفن العالمي في الماضي كان له سمات, واليوم له سمات أخرى. فكانت المركزية الأوروبية, فالماضي هو التي يحدد عالمية الفن, وهي الوكالة الوحيدة التي تمنح الشهادات للفنانين على المستوى العالمي, وتكتب شهادات ميلادهم في الكتب والقواميس, اليوم حدث إنزياح إلى هذه الأفكار, ولا أريد أن أفسر لماذا, لأن هذا ليس دوري, لكن لابد أن نعرف أن أمريكا بدأت تعمل على إستهداف الفن مثل ما قال الناقد نزار شقروان بأن الفن أصبح مستهدفاً في أساسياته المعرفية, وأن هناك إلغاءً لبعد الركائز داخل الحدود الجغرافية للآخر حتى تسيطر أمريكا وحدها على المعرفة الفنية, وتحول مركزية الفن إليها. أمريكا ليس لديها أسف حين تقذف تاريخ الفن بالقنابل وهنا تناقض, لأن من صنع تاريخ الفن هي الشعوب الأخرى خارج أمريكا, لذلك أمريكا ليس لديها أسف حين تقذف تاريخ الفن بالقنابل, وتحاول تدمير هذا التاريخ, وأوروبا نفسها معنية اليوم بالدفاع عن هذا الفن أكثر منا نحن, ولا بد أن تفتح أوروبا الحوار مع الآخر للدفاع عن تاريخها وهويتها التي ضربتها أمريكا في ثقافتها, وتاريخ أوروبا هو تاريخ فن, وثقافة, ومعرفة, وحتى الغرب الذي كنا نتحدث عنه سابقاً لم يكن هو نفس الغرب اليوم فالغرب أصبح أول, وثاني, وثالث, أحدثت أمريكا فيه فجوة فلا بد من ضبط المعايير التي نتحدث بها عن الغرب والإستشراق ثانياً من قبل كانت سلطة الناقد هي التي تحدد معايير دخول الفنان إلى قاعات العرض, اليوم الوضع أصبح مختلفاً, ما يحدد معايير دخول الفنان إلى قاعة العرض هي المؤسسة الإقتصادية, لذا نلاحظ غياب قاعات العرض في الغرب اليوم, وتقلص القاعات يزيد يوماً بعد يوم, فهناك طرق عرض أخرى هي التي تتناسب مع الطرح الأمريكي, أي الفعاليات الكبرى, وكثرة المعارض الجماعية, مثل >الديكومنتا< , وكاسل, وهنا يكون هناك جماعات معينة تقود هذه التظاهرات هي التي تحدد سلطة, ومعايير الفن, وأصبح دور المنسق للعروض أهم من دور النقاد. وهذا المنسق هو الذي يختار الفنانين من العالم, ونقول مثلاً >ديكو منتا< إختارت 150 فناناً من العالم كلهم يصبون في إتجاه واحد, ويؤكدون على العولمة, وطرح قضية صراع الفن, والعلم وهناك صراع بين الفن, والعلم صراع أساسيّ, فالعلم الذي يساهم في إنتاج مواد جديدة, يستطيع أن يفرضها حتى على الفنان الذي يعيش بتلقائية خارج هذه الأفكار, فالعلم نقل الفنان الإنطباعي من قبل من مرسمه إلى خارجه, وهنا العلم يطرح قضية نقل الفنان من فضاءه إلى فضاء خارج النطاق الإنساني, وأمريكا تستغل ذلك نقل سيطرة الفن إلى داخلها بالعلم والميديا, ولقد أصبحت أوروبا في الحقيقة أمام هذا الوضع مثلها مثل اليمن, وبنغلاديش, وأي بلد, أو حتى الصين. على المستوى العربي, أقول أيضاً بحاجة إلى تغيير, وحوار فلسفي ـ كما قال عكاشة ـ تغيير بعيداً عن العودة إلى الذات, فنحن في حاجة إلى فكر يعيد النظريات, والأسس الأولى كي ينطبق الفنان العربي, والإسلامي. عكاشة : كيف يدخل الفنان العربي إلى ما يدور حوله يقول عكاشة : لا أعرف كيف يكون الفنان العربي رافضاً للآخر ثم يتحدث عن الحداثة, كيف يكون رافضاً للعلم, والفن الإنطباعي نهض على أكتاف العلم, كيف إستفاد الفن حتى من الثورة الصناعية, وكيف إستفاد الفنان العربي مما قدمه مثلأً أحمد زويل للتجربة الإنسانية.
مائدة مستديرة بمتحف الفن الحديث في إيران, تجمع
* طلال معلا ـ مدير متحف الفن الحديث بالشارقة
* د زيبابي شنا سانه ـ رئيس تحرير مجلة فنون الإيرانية
* سامي بن عامرـ رئيس إتحاد الفنانين بتونس
* نزار شقروان ـ المعهد العالي للفنون الجميلة في صفاقس
* عبد الرزاق عكاشة ـ فنان, وناقد مصري مقيم في باريس
بدأ الحديث بسؤال عن هوية, وشكل, ومفهوم الفن العالمي بالنسبة للسادة ضيوف إيران, السؤال من د زيبابي شنا سانه رئيس تحرير مجلة فنون, ومدير بمتحف الفن الإيراني الحديث.
* سامي بن عامرـ رئيس إتحاد فنانين تونس, وعضو مجلس إدارة الإتحاد العالمي>أياب< باليونسكو. ماذا تعني الترجمة الحرفية للفن العالمي ماذا تعني بالسؤال, هل الترجمة الحرفية للكلمة, أم لهوية اللوحة الحديثة, فإذا كنت تعني ما وصل إليه الفن اليوم, فنعم, لقد تعددت الإتجاهات, والأسس, وهذا ملاحظ جداً عما كنا نعدها من قبل , والحديث عن الفن بصفة مطلقة, وعامة شيئ صعب في ظل هذه التعددية, خاصة مع الإنقسام الجغرافي في العالم, فربما ما يمارس من فنون في أماكن جغرافية, لا يمارس كفنون في أماكن أخرى. أما لفظة >عالمي<, فنحن نسمعها في البينالات, والمهرجانات العالمية, والدولية التي يفترض أنها تقدم الفنون المعاصرة, هذه الفنون التي تعلن أحياناً من الذاتية إلى النظرة التي ترتكز على تأكيد ذات المبدع بشكل خاص, وبعيداً عن الهوية بشكل عام, وتكون ذاتية المبدع أساسية في تلك المعارض كي تجعل الفنان في تماسّ مع مفهوم المعاصرة . ولنا أن نلاحظ أن فن الحداثة, وما بعد الحداثة, أي المعاصر, فتح أقواساً أمام عدة نقاط, وسلك عدة طرق, ولكن, في النهاية, لابد أن نعترف أيضاً أنه دخل في قطيعة مع المتلقي في بعض الأحيان, لأن هناك طريقة كبرى من الجمهور مازالت تفهم الفن بشكل تقليدي, وهناك نجد جملة المشاكل المطروحة اليوم على النقاد كبيرة جداً. *د نزار شقروان ـ أستاذ فلسفة الفن ـ المعهد العالي للفنون ـ صفاقص, وشاعر, وله مكانة عربية مميزة. لا أقول الفن العالمي لكن أقول الفن في العالم ولابد من التمييز بين المصطلحين حتى نكون واقعيين, ولا نخلط الأوراق, فالتجربة الجمالية بشكلها العام تعيش في مأزق حقيقي في العالم, خاصة في ظل الظرف التاريخي, والإقتصادي الكبير, حتى السياسي, وما يلحظ هنا, أن الفن عنصرا ًأساسياً في منظومة>التسليع الغربي<, أي تحول الفن إلى سلعة. لذا لا يمكن لنا أن نعزل الفن كتجلي ثقافي عن أزمة الثقافة بشكل خاص, والأزمات السياسية, وغيرها بشكل عام. لذا, أظن أن الفن اليوم أصبح خاضعاً للتنميط الذي يهدد الإنسان في قيمه لغرض قيمة واحدة بإسم العولمة, هذه القيمة التي نشأت في فترة تاريخية واحدة, وتريد أن تفرض نفسها على العالم, وهنا ضرب مباشر موجه لكل ماهو فن قطري, أو محليّ.. وحول الفن في تونس بشكل خاص: د سامي بن عامر : الفن في تونس إنطلق مع القرن التاسع عشر, وبطبيعة الحال, نشأ معتمداً على الفنان المستعمر, وهنا يجب أن نركز أن هذا ما ينطبق على لوحة الحامل, لأن هناك أيضاَ كانت الفنون الإسلامية أي ما تسمى بالحرفية. هذه الفنون بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر, وتحديداً مع الصالون التونسي الأول للفنون, وتم إفتتاحه عام 1894 , لكن الإشارة كانت مع حضور الفنان المستعمر الذي ركن إلى نظرة أكاديمية إستشراقية, ونظرة كانت تبحث عن الأشكال الغرائزية, هذه النظرة ركزت على الجانب الجمالي, وبعيداً عن البحث, والتجديد. أما تجربة الفنان التونسي, فتأثرت بهذه الإنطلاقة, مما جعل البداية تنقسم إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى كانت تحت إسم مدرسة تونس التي بحثت عن المؤامة الخصوصية, والحداثة التونسية, وهنا رسم الفنانين العادات, والفلكلور, وركزت على التقاليد من خلال تقنيات أكاديمية معتمدة على تقنيات الفنان المستعمر, هذه المرحلة برز منها زبير التركي, عمار فرحات, يحيى التركي, وإلى آخره, وتناولت مواضيع شتى كانت تعتمد على المظهرية بعيداً عن البحث, وهي تجربة ركنت إلى ماضي أكاديمي منفصلة عن التغير الحداثي في العالم في هذه الفترة, الجيل الثاني في تونس كان في نهاية الخمسينات, وبداية الستينات, حيث أقدم مجموعة من الفنانين أمثال نجيب بن خواجه, نجا مهداوي, على إعادة الإنطلاق من جديد, مرتكزين على التأكيد على الهوية التي ليست بالأساس مرتبطة بإعادة التقاليد, والتراث, ولكن إعتماد على هوية عربية إسلامية, ومعالجة ذلك بطرح تجديدي, حديث, وهذا بالطبع فتح الأفق إلى نظرة على تجارب العالم الحديثة أيضاً, وهنا طرح الفنان التونسي تناول مثلاً المعمار العربي الإسلامي< في الرسم, الخط العربي, وإلى آخره, الجيل الثالث كان في السبعينات, بالطبع إرتكز على تجربة الجيل السابق كأول حاله أن يركز جيل على أساسيات جيل تونسي سابق, حيث في إعتقادي الخاص, وهذا الجيل كان معظمهم من جيل الدارسين في الخارج, لذلك تعددت مصادر تقنياتهم, وأدوات التناول, وهناك تفتح خاص لذلك أصبح مفهوم الأصالة, والخصوصية متغيراً, ومعتمداً على مدى تترك الفنان إلى معالجة الإشكاليات الجمالية, والتشكيلية الجديدة, والمختلفة, حيث لا تربط هذه الإشكاليات الجمالية بحيز المكان. أي تغير المكان ذاته في العمل, وتعددت هنا الإتجاهات, وإختلفت, وفتح أفاق جديدة, مما مهد إلى خلق حداثة, وإتجاهات عديدة في تونس يمكن أن نطلق عليها إسم >فسيفساء< في الفن التونسي, لأنه أصبح هناك إختلافات كبرى, وهنا حركة جديدة في تونس الأن أيضاَ توازي الحداثة المعاصرة, وظهرت حركات مثل>التنصيبات< الأعمال المركبة, وغيرها, وربط العلاقة بين الفن والتكنولوجيا>الميديا آرت<, وهذا حرك الفن في تونس, وبالطبع هذه الحركة إرتبطت بالزمن, والمنظور السياسي العالمي, والإقتصادي, والإرتباط بالهوية, والمتغيرات العربية, والإسلامية التي وقعت في العالم العربي, والإسلامي, والعالم ككل. الفنان التونسي الأول لم يكن على درجة عالية من الثقافة نزار شقروان : ما قدمه سامي بن عامر هي قراءة تاريخية, لكن هناك إشكاليات أخرى, وهي بداية الفن التونسي مثل الفنون في العالم العربي التي إرتبطت في أساسياتها بالغرب كمحتلّ, وهنا الجيل الأول في تونس من الفنانين لم يكن هو الجيل المثقف بالمعنى التام للكلمة, حيث أنه تمكن من المعرفة اللغوية, والتقنية, والدراسية في الخارج وهذا جيل تربى على أيدي الفرنسيون والإيطاليون وغيرهم, لذا أنبهروا بالغرب, والطبيعة, ولم يشرع الفنان التونسي أن أسس لنفسه هوية في البداية, لكنه لبس ملابس, أو جلباب الغرب... وهذا المتفرنج قلد الفنان الغربي, وكانت قاعات العرض تشجع عن عمد من يقلد الغرب, وهنا أنساق الفن التونسي إلى الفولكلور, والحارة, والأزقة, ومشاهد سيدي بو سعيد, والمرأة التونسية, وورش العمال أصبحت هي مصدر الإلهام في اللوحة عند الفنانين. قضية الحوار مع الآخر ـ الآفنجارد هنا تدخل عبد الرازق عكاشة ـ ناقد, وفنان تشسكيلي مصري مقيم في باريس : إذا كنا نفكر في نشر الفن, إذاً لابد من الإعتماد على تجارب الآخر >الأفنجارد<, ونأخذ مثل كيف تمرد أيجون شيلي, كليمت كوكوشكار, وماصنعوه هم بأنفسهم من أجل فك الحصار المفروض على فناني الإمبراطورية النمساوية في هذا الوقت, فحين أن أساتذة الأكاديمية في النمسا في هذا العصر كانوا يطالبون بالعزلة, والحصار, ورفض الحديث مع الآخر في أوروبا نفس الأصوات, أو ثمة تشابه مع بعض ما نسمعه الآن في العالم الإسلامي, والعربي, وهنا لابد أن ننظر إلى أن قوى البناء, أو قوى الهدم, تعمل جماعياً, أما نحن فدائماً نعمل كأفراد. بل نريد عكس هذه الآراء الفردية على المجتمع, ونقدم بالتالي نظرةً فردية حول المجتمعات العربية, ونحن على يقين أننا نملك الصواب كأفراد وحدنا, ولا يمكن للآخر المشاركة في تصحيح ذلك. وهناك أزمة أخرى حول فكرة إقتحام الفنان العربي إلى العالمية, فالغرب رسم لنا حدود, وأصبحنا لا نتجاوزها, خذ مثلاً المعارض العربية المسافرة, والتي تخترق حدود جغرافيا الوطن العربي, إلى أين تتجه ؟ إلى المركز الثقافي المصري, أو السوري, أو الجزائري, وعلى أقصى تقدير إلى معهد العالم العربي. وهذه الأماكن أصلاً هي أماكن معزولة داخل ثقافة كبرى, فهي أماكن ثقافة عربية لا يتعامل معها الغرب إلا حين يحتاج إلى شيئ من المسؤولين عنها لكنها تعاني العزلة والوحدة والفردية داخل حيز يبحث عن عمل جماعي وهنا يجب أن نخرج معارضنا العربية إلى قاعات عرض أوروبية, ونفتح الحوار مع نقاد الغرب الجادين, والمميزين, ننشر الكتب, والمطبوعات التي تتحدث بلغة إنكليزية, وفرنسية في المكتبات الغربية حتى نعرف بالفنانين عندنا. وليس صحيحاً ما يردده صلاح عناني كل يوم من أنه إكتشف الغرب, وأننا أفضل منهم, وأحسن من أبوهم, هذا الكلام يؤكد العزلة, ويضعف الفن, لأننا في النهاية نتحرك في إطار إنساني عالمي موحد, إطار إنساني بعيداً عن العولمة التي تفرض إطار أكثر قسوة من كل شيئ. ونحن الآن في العالم العربي لدينا تظاهرات كبرى, بينالي الشارقة, إيران, القاهرة,.. يجب أن نسعى إلى الحوار مع الغرب, لأن الغرب يريد أن يعرفنا, ويعرف فنوننا, لأن نظرة التعالي والمستعمر لم يكن لها مكان في فنون الحداثة, فمن يقول أن فنان كبير من الغرب لا يريد الحضور إلى أي دولة عربية, ويقيم, ويعمل ورش عمل مع فناني المحترفات الأخرى, لا أظن أن هناك فنان حقيقي يسعى إلى هذه العزلة, والقطيعة مع الآخر, ونأخذ مثالاً أن كيزفان دونجن مؤسس من مؤسسي الوحشية زار مصر, وقال : لقد إكتشفت وحشيتي في القاهرة على وجوه فلاحات مصر حين دعاني صديقي محمود مختار, والغريب بأننا لا نترجم, ولا ننشر, ولا نحن نبحث عن معرفة كيف يشاهدنا الآخر في أغلب الأحوال, كاندنسكي, بول كلي, عاشوا في تونس , ماجورلا عاش في مراكش, لابد أن نرفض العزلة, ونقومها. *الفنان التشكيلي, والباحث, والناقد طلال معلا ـ مدير متحف الفن الحديث في الشارقة : هل الإنسان في العالم في حاجة للفن الأخوة طرحوا عدة أراء حول الفن في العالم, وعزلة الفن, ولكن السؤال الأهم من وجهة نظري: هل الإنسان مازال في حاجة إلى فن فعلاً؟ هذا سؤال مطروح على مستوى معرفي, ونظري ضروري جداً فأمام ما يمر به الإنسان من أزمات, وخيارات سياسية, وإقتصادية, هل ما زال يبحث الإنسان عن فن وسط كل هذا التراكم؟ طبعاً الإجابة مبهمة جداً, فمع تغيرات القروان, وتغير, أو إنتقال الإنسان من قرن إلى قرن يمر بعدة إختناقات, ومتغيرات صعبة جدا,ً وهنا يتفق الجميع مع الإنتقال التاريخي هذا لابد من تجديد لغة الخطاب, والحوار, أو تجديدات تحدث رد فعل على الإنسان بشكل عام, وهنا لابد أن نؤكد على أن ثمة الفن هو التغيير >فإذا لم يتغير الفن, والإبداع, فهذا إعلان واضح للموت<, وهناك ملاحظة أخرى, أو بديهية أن أحد خصائص الفن هي حرية هذا الفن, والحرية المطلقة في التعبير في ذاته, وحوله, وإذا لم يملك حرية التعبير فهو ليس حقيقي, وأقول هذا لأؤكد على أنني دائماً أسمع الفن العالمي, وعالمية الفن, فللفن العالمي في الماضي كان له سمات, واليوم له سمات أخرى. فكانت المركزية الأوروبية, فالماضي هو التي يحدد عالمية الفن, وهي الوكالة الوحيدة التي تمنح الشهادات للفنانين على المستوى العالمي, وتكتب شهادات ميلادهم في الكتب والقواميس, اليوم حدث إنزياح إلى هذه الأفكار, ولا أريد أن أفسر لماذا, لأن هذا ليس دوري, لكن لابد أن نعرف أن أمريكا بدأت تعمل على إستهداف الفن مثل ما قال الناقد نزار شقروان بأن الفن أصبح مستهدفاً في أساسياته المعرفية, وأن هناك إلغاءً لبعد الركائز داخل الحدود الجغرافية للآخر حتى تسيطر أمريكا وحدها على المعرفة الفنية, وتحول مركزية الفن إليها. أمريكا ليس لديها أسف حين تقذف تاريخ الفن بالقنابل وهنا تناقض, لأن من صنع تاريخ الفن هي الشعوب الأخرى خارج أمريكا, لذلك أمريكا ليس لديها أسف حين تقذف تاريخ الفن بالقنابل, وتحاول تدمير هذا التاريخ, وأوروبا نفسها معنية اليوم بالدفاع عن هذا الفن أكثر منا نحن, ولا بد أن تفتح أوروبا الحوار مع الآخر للدفاع عن تاريخها وهويتها التي ضربتها أمريكا في ثقافتها, وتاريخ أوروبا هو تاريخ فن, وثقافة, ومعرفة, وحتى الغرب الذي كنا نتحدث عنه سابقاً لم يكن هو نفس الغرب اليوم فالغرب أصبح أول, وثاني, وثالث, أحدثت أمريكا فيه فجوة فلا بد من ضبط المعايير التي نتحدث بها عن الغرب والإستشراق ثانياً من قبل كانت سلطة الناقد هي التي تحدد معايير دخول الفنان إلى قاعات العرض, اليوم الوضع أصبح مختلفاً, ما يحدد معايير دخول الفنان إلى قاعة العرض هي المؤسسة الإقتصادية, لذا نلاحظ غياب قاعات العرض في الغرب اليوم, وتقلص القاعات يزيد يوماً بعد يوم, فهناك طرق عرض أخرى هي التي تتناسب مع الطرح الأمريكي, أي الفعاليات الكبرى, وكثرة المعارض الجماعية, مثل >الديكومنتا< , وكاسل, وهنا يكون هناك جماعات معينة تقود هذه التظاهرات هي التي تحدد سلطة, ومعايير الفن, وأصبح دور المنسق للعروض أهم من دور النقاد. وهذا المنسق هو الذي يختار الفنانين من العالم, ونقول مثلاً >ديكو منتا< إختارت 150 فناناً من العالم كلهم يصبون في إتجاه واحد, ويؤكدون على العولمة, وطرح قضية صراع الفن, والعلم وهناك صراع بين الفن, والعلم صراع أساسيّ, فالعلم الذي يساهم في إنتاج مواد جديدة, يستطيع أن يفرضها حتى على الفنان الذي يعيش بتلقائية خارج هذه الأفكار, فالعلم نقل الفنان الإنطباعي من قبل من مرسمه إلى خارجه, وهنا العلم يطرح قضية نقل الفنان من فضاءه إلى فضاء خارج النطاق الإنساني, وأمريكا تستغل ذلك نقل سيطرة الفن إلى داخلها بالعلم والميديا, ولقد أصبحت أوروبا في الحقيقة أمام هذا الوضع مثلها مثل اليمن, وبنغلاديش, وأي بلد, أو حتى الصين. على المستوى العربي, أقول أيضاً بحاجة إلى تغيير, وحوار فلسفي ـ كما قال عكاشة ـ تغيير بعيداً عن العودة إلى الذات, فنحن في حاجة إلى فكر يعيد النظريات, والأسس الأولى كي ينطبق الفنان العربي, والإسلامي. عكاشة : كيف يدخل الفنان العربي إلى ما يدور حوله يقول عكاشة : لا أعرف كيف يكون الفنان العربي رافضاً للآخر ثم يتحدث عن الحداثة, كيف يكون رافضاً للعلم, والفن الإنطباعي نهض على أكتاف العلم, كيف إستفاد الفن حتى من الثورة الصناعية, وكيف إستفاد الفنان العربي مما قدمه مثلأً أحمد زويل للتجربة الإنسانية.


0 Comments:
Enregistrer un commentaire
<< Home